ابن الجوزي

222

صفة الصفوة

أبو جعفر بن الطباع قال : سمعت مخلدا يقول : ما رأيت أحدا كان أفضل من عطاء السليمي ، ولقد كانت الفاكهة تمرّ لا يعلم سعرها ولا يعرفها . عن أبي جعفر السائح قال : كان عطاء السليمي يقول : التمسوا لي هذه الأحاديث في الرّخص عسى اللّه أن يروّح عني بعض ما أنا فيه من الغمّ . محمد بن معاوية الأزرق قال : حدثني بعض أصحابنا قال : قيل لعطاء السليمي ما تشتهي ؟ ؟ قال : أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر على أن أبكي . قال : وكان يبكي الليل والنهار وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه . أبو يزيد الهدادي قال : انصرفت ذات يوم من الجمعة فإذا عطاء السليمي وعمر ابن درهم يمشيان ، وكان عطاء قد بكى حتى عمش ، وكان عمر قد صلّى حتى دبر « 1 » ، فقال عمر لعطاء : حتى متى نسهو ونلعب وملك الموت في طلبنا لا يكف ؟ قال : فصاح عطاء صيحة خرّ مغشيا عليه فأنشج موضحة واجتمع الناس وقعد عمر عند رأسه فلم يزل على حاله حتى المغرب . ثم أفاق فحمل . سوار أبو عبيدة قال : انقطع عطاء السليمي قبل موته بثلاثين سنة . قال : وما رأيت عطاء إلا وعيناه تفيضان . قال : وما كنت أشبّه عطاء إذا رأيته إلا بالمرأة الثكلى . قال : وكأنّ عطاء لم يكن من أهل الدنيا . عن صالح المري قال : كان عطاء السليمي لا يكاد يدعو إنما يدعو بعض أصحابه ويؤمّن هو ، قال : فحبس بعض أصحابه . فقيل له : ألك حاجة ؟ قال : دعوة من عطاء أن يفرّج اللّه عني ، قال صالح : فأتيته فقلت : يا أبا محمد أما تحب أن يفرّج اللّه عنك ؟ قال : بلى واللّه إني لأحبّ ذلك ، قلت : فإن جليسك فلانا قد حبس فادع اللّه أن يفرّج عنه . فرفع يديه وبكى وقال : إلهي قد تعلم حاجتنا قبل أن نسألكها فاقضها لنا ، قال صالح : واللّه ما برحنا من البيت حتى دخل الرجل . صالح المري قال : قلت لعطاء السليمي ما تشتهي ؟ فبكى وقال : أشتهي واللّه يا أبا بشر أن أكون رمادا لا تجتمع منه سفّة « 2 » أبدا في الدنيا ولا في الآخرة . قال

--> ( 1 ) أي ولّى وشيّخ . ( 2 ) أي قبضة من رماد .